تخيّل عالماً أصبحت فيه عمليات التداول القائمة على الذكاء الاصطناعي واسعة الانتشار وسريعة وفعالة لدرجة يضطر معها “الاحتياطي الفيدرالي” إلى عقد مؤتمرين صحفيين، أحدهما للبشر والآخر للآلات، وذلك للحيلولة دون استبعاد البشر تماماً من القدرة على التفاعل مع التحولات في السياسة النقدية.
أو عالماً يضطر فيه مسؤولو البنوك المركزية، الذين اتجهوا في العقود الأخيرة نحو مزيد من الشفافية، إلى الحديث بلغة غامضة والتصرف بطرق غير متوقعة، وذلك لمنع وكلاء الذكاء الاصطناعي من التلاعب بالنظام.
أو في الحالات التي يتعين فيها على صناع السياسات النقدية التدخل المباشر في أسواق الائتمان وتوسيع ميزانيات البنوك المركزية، وهي أفكار تتعارض تماماً مع توجهات كيفن وارش، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والعديد من نظرائه، وذلك لتجنب مخاطر التلاعب بالسوق باستخدام الذكاء الاصطناعي.
كانت هذه مجرد أمثلة قليلة على السيناريوهات القاتمة التي استعرضها ماركوس برونرماير، الخبير الاقتصادي في جامعة برينستون، أمام مسؤولي البنوك المركزية العالمية يوم السبت في جاكسون هول بولاية وايومنج، إذ مثّل حديثه دعوةً ملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة للاستعداد ومواجهة ما يتوقع أن يكون اضطراباً واسع النطاق ناتجاً عن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي.
كانت تلك واحدة من العروض التقديمية الختامية في الندوة الاقتصادية السنوية التي يعقدها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، وهي فعالية هيمنت على معظم نقاشاتها قضايا أكثر إلحاحاً، مثل تداعيات السوق الناجمة عن عمليات إعادة شراء الديون الحكومية التي يقودها وزير الخزانة، سكوت بيسنت، والتحول الملحوظ لدى وارش نحو أسلوب أكثر صراحة ووضوحاً في التواصل بشأن السياسات.
وسلط العرض الضوء -من منظور جديد يركز على الأسواق، على التداعيات المحتملة للذكاء الاصطناعي بالنسبة لمسؤولي البنوك المركزية، الذين انصب تركيزهم عادةً على كيفية تأثير هذه التكنولوجيا في أسواق العمل، أو تعزيز الإنتاجية، أو خفض التضخم، أو كل ذلك مجتمعاً وأكثر.
ووفقاً لطرح “برونرماير”، فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة المعلومات تفوق قدرة البشر بمراحل، ما سيمنحه قريباً ميزة معرفة ما سيفعله مسؤولو البنوك المركزية بيقين شبه تام، بل قبل أن يدرك صناع السياسات أنفسهم تلك الخطوات، وبالتالي القدرة على ابتكار استراتيجيات تداول وغيرها للالتفاف على تلك الإجراءات وتحقيق الأرباح، سواء بطرق قانونية أو غير ذلك.


