تواجه البنوك حول العالم معضلة مالية واستراتيجية متزايدة بسبب الارتفاع الحاد في فواتير استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذا الارتفاع القياسي في تكاليف الحوسبة والاشتراكات المخصصة للمساعدين الذكيين (مثل نماذج ومساعدي شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة) بدأ يضغط بقوة على هوامش أرباح القطاع المصرفي .
هذه الفواتير الباهظة، إلى جانب الرغبة في التحرر من التبعية التكنولوجية للولايات المتحدة، تدفع العديد من المؤسسات المالية حول العالم إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها والتحول نحو تطوير نماذج ذكاء اصطناعي داخلية (In-House Models) أو بناء تحالفات لدمج نماذجهم الخاصة.
الأسباب الرئيسية وراء هذا التحول الشامل:
تضخم تكاليف التشغيل: تعتمد البنوك حالياً على حلول سحابية خارجية مكلفة للغاية لتشغيل عمليات البرمجة الآلية والخدمات المصرفية؛ حيث تفرض شركات مثل OpenAI وAnthropic رسوماً مرتفعة تتزايد مع اتساع نطاق الاستخدام.
مخاوف التبعية التكنولوجية لشركات وادي السيليكون: يثير الاعتماد شبه الكامل على عمالقة التقنية الأمريكيين قلق الإدارات التنفيذية والمشرعين في أوروبا، لاسيما مع قيام بعض الشركات بحظر أو تأخير وصول النماذج الأكثر تقدماً (مثل نموذج Mythos من Anthropic) إلى البنوك الأوروبية.
الامتثال لقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي: يفرض القانون التنظيمي الصارم في أوروبا شروطاً معقدة حول “حوكمة البيانات وشفافيتها”، مما يجعل تطوير نموذج داخلي خياراً أكثر أماناً للبنوك لضمان سرية بيانات عملائها والامتثال الكامل للقوانين.
أمن البيانات ومخاطر الهجمات السيبرانية: حذر البنك المركزي الأوروبي مؤخراً من أن الاعتماد على جهات خارجية يزيد من الثغرات الأمنية المخفية، مؤكداً على ضرورة سيطرة البنوك الكاملة على بنيتها التحتية التقنية.
كيف تتعامل البنوك مع هذا الوضع؟
بناء “مصانع الذكاء الاصطناعي” (AI Factories): بدأت بنوك مثل “Finanz Informatik” في ألمانيا بإنشاء مراكز حوسبة داخلية مخصصة لتطوير وتوسيع نطاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي محلياً دون الاستعانة بخوادم خارجية.
الاستفادة من النماذج الأوروبية مفتوحة المصدر: تتجه بنوك أخرى لتبني وتعديل النماذج الأوروبية الواعدة مثل نماذج شركة Mistral AI الفرنسية، لتوائم احتياجاتها المصرفية داخلياً وبتكلفة أقل كثيراً.
إعادة توجيه الميزانيات ونطاق الوظائف: تراهن بنوك كبرى (مثل دويتشه بنك وكومرتس بنك) على خفض التكاليف الإدارية عبر الأتمتة الكاملة للوظائف الروتينية لتعويض الفواتير التكنولوجية المرتفعة.


