في عالم تتصاعد فيه النزاعات الجيوسياسية بوتيرة غير مسبوقة، يواجه قطاع التأمين واحدا من أعقد التحديات في تاريخه، إذ لم تعد الحروب أحداثا استثنائية بل عنصرا دائما في معادلة المخاطر العالمية، ما يفرض على الشركات إعادة صياغة نماذجها وأساليب عملها.
وفي ظل اتساع رقعة التوترات، يتزايد الطلب على حلول تأمينية متخصصة للتعامل مع مخاطر غير تقليدية تشمل استهداف البنية التحتية، وتعطل سلاسل الإمداد واضطرابات النقل وتلف البضائع.
ومع استمرار هذه المخاطر، ترتفع كلفة التأمين بشكل ملحوظ، حيث تنعكس زيادات أقساط النقل البحري والطاقة والسلع الأساسية على أسعار المنتجات والخدمات، ما يجعل المستهلك جزءا من معادلة المخاطر، بينما تتحمل شركات التأمين مسؤولية إدارة التعويضات في بيئة غير مستقرة.
وتكشف تقارير دولية لجهات مثل Swiss Re وLloyd’s of London عن تحول جذري في القطاع، يتمثل في استثناء شبه كامل للأضرار الناتجة عن النزاعات المسلحة من الوثائق التقليدية مقابل تنامي الاعتماد على تأمين مخاطر الحرب.
ويشير خبراء إلى أن قطاع التأمين أصبح من أكثر القطاعات حساسية لتطورات الحروب، مع ارتفاع كبير في كلفة التغطيات واتساع نطاق المخاطر، ليشمل سلاسل الإمداد وتعطل الأعمال والملاحة والتجارة العالمية.
في المقابل، تلعب شركات إعادة التأمين دورا محوريا في هذا السياق، إذ تضطلع بمهمة توزيع المخاطر على نطاق عالمي، بما يحد من احتمالات انهيار شركات التأمين المحلية عند وقوع خسائر كبيرة.
وفي هذا السياق، أكد ناصر راشد المسند، الرئيس التنفيذي لشركة الضمان للتأمين الإسلامي (بيمه)، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن قطاع التأمين يواجه تحديات متزايدة فرضت عليه إعادة صياغة نماذج عمله وآليات إدارة المخاطر، مشيرا إلى أن الحروب لم تعد أحداثا استثنائية، بل أصبحت عنصرا دائما في تقييم المخاطر، مما انعكس بشكل مباشر على تكلفة التأمين وطبيعة التغطيات المقدمة.
وقال المسند: “لم تعد إدارة المخاطر داخل شركات التأمين تقتصر على متابعة المؤشرات التقليدية، بل أصبحت وظيفة محورية تقود عملية اتخاذ القرار، من خلال تقييم السيناريوهات المحتملة بشكل مستمر والاستعداد لتطورات قد تكون غير متوقعة في بيئة شديدة التقلب”.
وأوضح المسند أن الفترة الأخيرة شهدت ارتفاعا ملحوظا في أقساط التأمين، خاصة في قطاعات النقل البحري والطيران والطاقة، نتيجة زيادة احتمالية الخسائر وتعقيد بيئة المخاطر، لافتا إلى أن تأثير هذه الزيادات امتد ليشمل تكلفة السلع والخدمات، مما يجعل المستهلك جزءا من هذه المعادلة.
وأشار إلى بروز الحاجة إلى منتجات تأمينية كانت في السابق محدودة الاستخدام، وفي مقدمتها التأمين ضد أخطار الحروب، وتعطل الأعمال، وسلاسل الإمداد، إلى جانب التأمين ضد المخاطر السيبرانية، التي أصبحت تمثل أحد أبعاد الحروب الحديثة.
وتابع أن شركات إعادة التأمين تشكل ركيزة أساسية في دعم استقرار القطاع، من خلال توزيع المخاطر على نطاق عالمي، مما يحد من تأثير الخسائر الكبيرة على شركات التأمين المحلية، خاصة في ظل ارتفاع حجم المطالبات المحتملة.
ونوه إلى أن شركات التأمين تعتمد اليوم بشكل متزايد على تحليل السيناريوهات، حيث يتم تصور تطورات مختلفة للنزاعات وتأثيرها على سلاسل الإمداد والطاقة وحركة النقل، ومن ثم قياس الأثر المالي والتشغيلي لكل سيناريو، بما يساعد على اتخاذ قرارات أكثر مرونة واستباقية.
وأوضح أن اختبارات الضغط أصبحت أداة أساسية، حيث تقوم الشركات بمحاكاة ظروف قاسية مثل ارتفاع مفاجئ في المطالبات أو تعطل واسع في الأسواق؛ بهدف التأكد من قدرتها على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها حتى في أصعب الظروف.
وفي المقابل، لفت إلى أن بعض الشركات تلجأ إلى ما يعرف بالاختبارات العكسية، والتي تبدأ من افتراض حدوث سيناريو حاد قد يؤدي إلى فشل الشركة، ثم يتم العمل بشكل عكسي لفهم كيف يمكن أن يحدث ذلك، مما يساعد على اكتشاف نقاط الضعف قبل وقوعها.
وأشار في هذا الإطار إلى أن شركات التأمين تتجه إلى تطوير حلول أكثر تخصصا تعتمد على التحليل المتقدم للبيانات وإدارة المخاطر بشكل لحظي، بما يمكنها من الاستجابة السريعة للمتغيرات والتكيف وتحسين قدرتها على تسعير المخاطر بدقة.
وعلى الصعيد المحلي، نوه المسند بأن دولة قطر تبرز كنموذج للاستقرار الاقتصادي والمالي، حيث ساهمت البيئة التنظيمية المتقدمة ودور مصرف قطر المركزي في تعزيز متانة قطاع التأمين، وتمكينه من التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية بكفاءة، ولا يقتصر هذا الاستقرار على العوامل الاقتصادية فقط، بل يعكس أيضا تطور ممارسات إدارة المخاطر داخل المؤسسات، وحرص الجهات التنظيمية على تعزيز ثقافة الاستعداد المسبق، وليس فقط الاستجابة للأزمات.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة الضمان للتأمين الإسلامي (بيمه) في ختام تصريحه لـ/قنا/ أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من التوسع في المنتجات التأمينية المتخصصة، وربما التوجه نحو حلول جماعية أو إقليمية لتغطية المخاطر المرتفعة، في ظل تزايد تحفظ شركات إعادة التأمين على بعض أنواع المخاطر.
ويؤيد الخبير الاقتصادي أحمد عقل هذا الرأي، قائلا: إن “النموذج القطري في تحقيق الأمن الاقتصادي يعتمد على تنويع مصادر الإنتاج وتعزيز الاكتفاء الذاتي، خصوصا في القطاعات الحيوية مثل الغذاء والمياه. وقد نجحت الدولة في رفع نسب الاكتفاء في عدة مجالات ضمن رؤية قطر 2030، بما في ذلك الألبان، واللحوم، والدواجن، والأسماك، والبيض والخضراوات، مما يقلل تأثرها المباشر بالاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، ويُخفف الضغوط على قطاع التأمين، ويضمن استمرارية تزويد السوق المحلي بالاحتياجات الأساسية دون انقطاع”.
وأضاف عقل أن الموقع الاستراتيجي لقطر، وكونها مركزا مهما للطاقة والتجارة، جعلا تطوير حلول تأمينية متقدمة ضرورة ملحة، خاصة في مجالات: تأمين الطاقة والمنشآت الحيوية والتأمين البحري المرتبط بتصدير الغاز الطبيعي والتأمين على المشاريع الكبرى والبنية التحتية.
ولفت إلى أنه رغم هذا الاستقرار، لا يخلو السوق القطري من التحديات، إذ يبقى مرتبطا بالتطورات الإقليمية والدولية، فارتفاع تكاليف إعادة التأمين عالميا ينعكس بدوره على السوق المحلي، كما أن الاعتماد على الأسواق الخارجية في تغطية بعض المخاطر الكبيرة يمثل تحديا إضافيا.
وأوضح عقل أن التأمين على عمليات النقل، ولا سيما البحرية، أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظل طول سلاسل الإمداد وارتفاع احتمالات المخاطر، سواء المتعلقة بتلف البضائع أو فقدانها أو المخاطر الجيوسياسية.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة، لم تعد المخاطر تقتصر على البضائع فحسب، بل امتدت لتشمل السفن نفسها وطواقمها، ما دفع شركات التأمين إلى رفع أقساطها بشكل كبير، وفي بعض الحالات إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف وهو ما يعكس قاعدة أساسية في قطاع التأمين: “كلما ارتفعت احتمالية الخطر، ارتفعت تكلفة التغطية”.
واختتم عقل تصريحه بالقول إن شركات التأمين اليوم تعمل في بيئة معقدة، حيث تزداد احتمالات التعويضات الكبيرة، ما يفرض عليها تشديد شروطها وفرض قيود إضافية على عمليات النقل، خصوصا في المناطق المصنفة عالية المخاطر. ومع ذلك، فإن هذه التحديات تفتح أيضا مجالا لتطوير منتجات تأمينية متقدمة أكثر دقة، تعتمد على التحليل الرقمي للبيانات وتتبع المخاطر بشكل لحظي، مما يجعل صناعة التأمين أكثر قدرة على التعامل مع الأحداث غير المتوقعة.
وفي الإطار ذاته، يؤكد المحلل المالي والاقتصادي نضال خولي، ، أن قطاع التأمين كان من أكثر القطاعات تأثرا بالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن منطقة الخليج بشكل عام ودولة قطر بشكل خاص عاشت لفترات طويلة في حالة من الاستقرار الإقليمي والمحلي، مما جعل المخاطر التأمينية تتركز أساسا في الجوانب المرتبطة بالعوامل الطبيعية وممارسة الأنشطة الاقتصادية.
وأضاف خولي أن اندلاع الحرب أدى إلى بروز الحاجة إلى استدعاء تغطيات تأمينية كانت سابقا مستثناة أو لا تحظى بأهمية كبيرة، وفي مقدمتها التأمين ضد أخطار الحروب، وتأمين تعطل الملاحة، وتأمين تعطل الأعمال، موضحا أن هذه المنتجات لم تكن قبل الحرب ضمن أولويات العملاء أو حتى شركات التأمين، لكنها أصبحت اليوم في صلب اهتمام جميع الأطراف.
وتابع أن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعد الاهتمام بمنتجات تأمينية متخصصة، مثل التأمين على تعطل الأعمال في ظل النزاعات، وتأمين سلاسل الإمداد، والتغطيات المرتبطة بانقطاع تزويد الطاقة، إضافة إلى التأمينات المرتبطة بالتلوث الإشعاعي أو البيئي، بما يعكس اتساع نطاق المخاطر وتعقيدها.
كما أشار خولي إلى أنه في حال طال أمد النزاع، فقد تبرز الحاجة إلى إنشاء صناديق تأمين أو تكافل وطنية لتوفير تغطيات جزئية أو تعويضية للقطاعات التي قد تعجز عن الحصول على تغطية من شركات إعادة التأمين الدولية، في ظل احتمال عزوف هذه الشركات عن تحمل المخاطر المرتفعة.
ورأى أيضا أن المرحلة قد تتطلب تأسيس تجمعات تأمينية إقليمية خليجية (Pooling) لسد فجوة التغطيات، وتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المشتركة.
من جهة أخرى لفت إلى أن التأمين على المخاطر السيبرانية بات يشكل أولوية متزايدة، في ظل تحول الحروب الحديثة إلى حروب متعددة الأبعاد تشمل الفضاء الإلكتروني، مؤكدا أن هذا النوع من التغطيات سيشهد نموا ملحوظا خلال الفترة المقبلة.
وشدد خولي على أن قطاع التأمين سيبقى من أكثر القطاعات حساسية لتطورات الأوضاع الجيوسياسية، ولن يستعيد استقراره الكامل إلا مع الوصول إلى حالة من الحسم، سواء عبر إنهاء التهديدات عسكريا، أو من خلال التوصل إلى اتفاق سلام إقليمي شامل، بما يمهد لعودة تدريجية إلى مستويات الاستقرار السابقة.
وفي منطقة تشهد تقلبات مستمرة، لم يعد التأمين مجرد أداة مالية لتعويض الخسائر، بل أصبح عنصرا أساسيا في استقرار الاقتصاد العالمي. وبينما تتزايد التحديات، تبرز نماذج مثل قطر التي استطاعت تحقيق توازن بين الانفتاح الاقتصادي وإدارة المخاطر، ما يمنحها موقعا متقدما في مشهد تأميني عالمي يتسم بعدم اليقين، ويعكس كيف يمكن للدولة أن تكون درعا واقيا لسوق التأمين والمستهلك على حد سواء.
وفي ظل هذه التحديات، لم يعد نجاح شركات التأمين يقاس فقط بحجم أعمالها، بل بقدرتها على التنبؤ بالمخاطر والاستعداد لها، حيث أصبحت المرونة والجاهزية المسبقة هما العاملان الحاسمان في استمرارية القطاع.


