أطلق الاتحاد الإفريقي أول وكالة تصنيف ائتماني في القارة الإفريقية، سعيا إلى توفير بديل لوكالات التصنيف العالمية “الثلاث الكبرى” وسط أعباء ديون ‌تثقل كاهل العديد من الاقتصادات الإفريقية، وتعمل الوكالة التي اختيرت بورت لويس عاصمة موريشيوس مقرا لها، كمركز مالي إقليمي فيما يعتزم المشروع التوسع من خلال وجود إقليمي داخل القارة البكر.

وفي السياق، فإن، “وكالة التصنيف الائتماني الإفريقية” (AfCRA)، التي لا تمتلك الحكومات الإفريقية حصصا فيها، توصف بأنه كيان مستقل تقوده آليات القطاع الخاص وتمول موارده التشغيلية ورأس المال المساهم به، في مسعى لتعزيز استقلاليتها والحد من تضارب المصالح والتدخلات السياسية في عملية التصنيف.

وتستهدف الخطوة الإفريقية الأولى من نوعها، تعزيز البنية المالية للقارة، وتوفير تقييمات ائتمانية تستند بصورة أكبر إلى البيانات والخبرات والواقع الاقتصادي الإفريقي، إلى جانب توسيع نطاق حصول الدول والشركات والمؤسسات الإفريقية على تصنيفات ائتمانية علمية أكثر إلماما بواقع الاقتصاد الإفريقي.
ويأتي إطلاق الوكالة، التي استغرق الإعداد لها قرابة عقد من الزمن، في ظل استمرار الضغوط التي تواجهها الاقتصادات الإفريقية جراء ارتفاع تكاليف الاقتراض وأعباء خدمة الدين، وفي وقت تسعى فيه دول القارة إلى تعميق أسواق رأس المال المحلية وتحسين قدرتها على استقطاب الاستثمارات والتمويل بشروط أكثر استدامة.
وكان الاتحاد الإفريقي، قد أكد أن الوكالة الجديدة لا تستهدف إلغاء أو استبدال وكالات التصنيف الائتماني العالمية القائمة، وإنما استكمال عملها من خلال تقديم منظور أكثر ارتباطا بالبيانات والخبرات والواقع الإفريقي، بما يسهم في سد فجوات المعلومات وتحسين فهم المخاطر الائتمانية في القارة.
وأشارت مفوضية الاتحاد الإفريقي، إلى أن “وكالة التصنيف الائتماني الإفريقية”، ستوفر تقييمات مستقلة قائمة على الأدلة للجهات السيادية والشركات والمؤسسات، كما يمكنها تقييم كيانات من خارج القارة عند الحاجة، بهدف تعزيز الشفافية والمساءلة في الأسواق المالية الإفريقية، وتوسيع المعلومات المتاحة للمستثمرين، ودعم اتخاذ قرارات استثمارية أكثر استنارة ومنهجية، كما لفتت ‌إلى أن تصنيف اقتصادات القارة هو ​B أو B- في المتوسط مقارنة مع BB لمناطق ناشئة أخرى، وهي فجوة يمكن أن تحد من ضخ مستثمرين أموالا في القارة وترفع تكاليف الاقتراض.

ويمثل تدشين الوكالة تتويجا لمسار مؤسسي بدأ منذ سنوات، إذ أقر الاتحاد الإفريقي إنشاءها منذ العام 2018، قبل أن تتواصل الجهود لتطوير الإطار المؤسسي والحوكمة والمنهجيات اللازمة لعملها.
ووفقا للاتحاد الإفريقي، فقد شهد يوليو 2023 اعتماد وزراء المالية والشؤون النقدية والتخطيط الاقتصادي والتكامل إعلانا في نيروبي لدعم الوكالة، فيما جرى خلال عامي 2024 و2025، تطوير الأطر المؤسسية ومنهجيات العمل بالتعاون مع الآلية الإفريقية لمراجعة النظراء.

وتبرز أهمية الخطوة في ظل محدودية التغطية الائتمانية في القارة، إذ تشير البيانات الاقتصادية للاتحاد الإفريقي إلى أن 32 دولة من أصل 55 دولة إفريقية، تحمل حاليا تصنيفات صادرة عن وكالات التصنيف العالمية الثلاث الكبرى “موديز، ستاندارد آند بورز، وفيتش”، بينما تفتقر 23 دولة إلى هذا النوع من التصنيف.

ومن شأن توسيع التغطية أن توفر للمستثمرين معلومات إضافية عن اقتصادات وكيانات إفريقية لا تحظى حاليا بالقدر الكافي من الاهتمام من جانب وكالات التصنيف الدولية، كما قد يساعد المؤسسات والشركات المحلية على الوصول إلى أسواق رأس المال، خاصة مع تنامي الحاجة إلى التمويل طويل الأجل لمشروعات البنية التحتية والطاقة والتصنيع.
ومن المنتظر أن يشمل نطاق عمل الوكالة الجديدة التصنيف السيادي، وتصنيف الحكومات دون الوطنية، والشركات، والمؤسسات المالية والعامة والخاصة، بما يفتح المجال أمام بناء قاعدة أوسع من المعلومات الائتمانية حول الاقتصاد الإفريقي.
وفي ذات الاتجاه، ووفقا للاتحاد الإفريقي، فقد ارتفعت خدمة الدين الخارجي في القارة من نحو 61 مليار دولار عام 2010، إلى 163 مليار دولار في عام 2024، فيما أصبحت مدفوعات الفائدة في عدد من الدول تنافس أو تتجاوز الإنفاق العام الموجه إلى قطاعات اجتماعية أساسية، الأمر الذي يضيق الحيز المالي المتاح أمام الحكومات لتمويل التنمية والخدمات العامة.

وتشير هذه التطورات إلى أن تحسين شروط الوصول إلى التمويل لا يرتبط فقط بحجم الديون، وإنما أيضا بكلفة الاقتراض التي تتأثر بصورة مباشرة بتقييمات المخاطر الائتمانية وثقة المستثمرين.
ومن هذا المنطلق، يرى الاتحاد الإفريقي أن الوكالة الجديدة يمكن أن تؤدي دورا في تحسين ثقة المستثمرين وشفافية الأسواق، وتقديم صورة أكثر تفصيلا عن المخاطر والفرص في الاقتصادات الإفريقية، بما قد يدعم قدرة الدول والقطاع الخاص على الوصول إلى مصادر تمويل جديدة.
ويأتي إنشاء “وكالة التصنيف الائتماني الإفريقية” في سياق نقاش طويل بشأن مدى قدرة المنهجيات المستخدمة من قبل وكالات التصنيف الدولية على عكس خصوصيات الاقتصادات الإفريقية بصورة كاملة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version