سجل الاقتصاد الإماراتي أداءً لافتًا خلال الفترة الأخيرة، مدعومًا بمؤشرات نمو قوية تعكس تحوّلًا في توجهات رأس المال العالمي، في وقت تشهد فيه الأسواق الدولية تقلبات متسارعة بفعل التوترات الجيوسياسية وتغيرات السياسات النقدية.
ووفقًا لأحدث البيانات، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات نحو 879.6 مليار درهم خلال النصف الأول من عام 2024، مع مساهمة القطاعات غير النفطية بما يقارب 75% من إجمالي الاقتصاد، في حين تجاوزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 45 مليار دولار، ما يعكس استمرار جاذبية الدولة كمركز استثماري إقليمي ودولي.

هذا الأداء يأتي في سياق عالمي يتسم بعدم اليقين، حيث شهدت الأسواق العالمية خلال الأزمات الكبرى تراجعات حادة، حيث فقد مؤشر S&P 500 نحو 38.5% من قيمته خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، فيما انخفض بنحو 34% خلال جائحة كوفيد-19 في 2020، قبل أن يسجل لاحقًا واحدة من أسرع موجات التعافي في تاريخه. وفي عام 2026، عادت التقلبات إلى الواجهة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ما انعكس على حركة الأسواق وأسعار النفط.

في هذا الإطار، لم يعد سلوك رأس المال قائمًا فقط على البحث عن العائد، بل بات يرتكز بشكل متزايد على عامل الثقة، سواء في البيئة التشريعية أو الاستقرار الاقتصادي أو القدرة على اتخاذ القرار في أوقات الأزمات.

وتبرز دولة الإمارات كنموذج في هذا التحول، حيث استطاعت بناء منظومة اقتصادية متكاملة تعتمد على الانفتاح الاقتصادي، وتحديث التشريعات، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار، ما عزز من قدرتها على استقطاب الاستثمارات حتى في الفترات التي تشهد اضطرابات عالمية.

وقال وائل راشد، مدير تطوير الأعمال والمتحدث الرسمي لشركة إيفست: “ما نشهده في الأسواق الإماراتية لا يعكس مجرد صمود أمام التقلبات، بل يعكس تحولًا في طريقة إدارة رأس المال عالميًا. المستثمرون اليوم يبحثون عن بيئات تجمع بين الاستقرار والمرونة، وهو ما نجحت الإمارات في تقديمه بوضوح خلال السنوات الأخيرة.”
وأضاف:
“الأسواق لم تعد تتحرك فقط بدافع الأخبار أوالأحداث اللحظية، بل وفق قراءة أعمق لمستويات المخاطر وإعادة تسعيرها، وهو ما يفسر استمرار تدفق الاستثمارات نحو الأسواق التي توفر وضوحًا في الرؤية واستقرارًا في السياسات.”
وتشير التقديرات إلى أن هذا الأداء ليس مرحليًا، بل يرتبط برؤية استراتيجية طويلة الأمد، حيث تستهدف الدولة ضمن “رؤية 2031” مضاعفة حجم اقتصادها ليصل إلى 3 تريليونات درهم، إلى جانب رفع حجم التجارة الخارجية إلى 4 تريليونات درهم، ما يعزز من مكانتها كمحور رئيسي في حركة التجارة والاستثمار العالمية.
ويرى مراقبون أن ما تشهده الأسواق الإماراتية يعكس تحولًا نوعيًا في دورها، من سوق إقليمي إلى مركز لإعادة توجيه رؤوس الأموال في أوقات عدم اليقين، خاصة مع تزايد أهمية الاستقرار كعامل حاسم في قرارات الاستثمار.

وفي ظل هذه المعطيات، يتجه المستثمرون بشكل متزايد نحو الأسواق التي توفر توازنًا بين العائد والمخاطر، وهو ما يعزز من موقع الإمارات كوجهة مفضلة لرأس المال الباحث عن الاستقرار في بيئة عالمية متقلبة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version