أصبحت “صناعة التعهيد” إحدى أكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات وتوليدًا لفرص العمل في ظل التحولات المُتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي العالمي، وتبرز مصر كإحدى الوجهات الصاعدة في سوق التعهيد العالمية، مستفيدة من قاعدة شبابية واسعة، وبنية تحتية رقمية متطورة، وموقع جغرافي يربط بين الأسواق الأوروبية والآسيوية والإفريقية، واستنادًا إلى بيانات البنك الدولي، فإن مؤشرات التنمية العالمية (WDI) تظهر تطورات هيكل الناتج المحلي الإجمالي المصري خلال الفترة (2015 – 2024) والأهمية المتزايدة لقطاع الخدمات، الذي حافظ على مكانته كأكبر القطاعات المساهمة في الاقتصاد المصري، مستحوذًا على نحو 48.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024.

و أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول “صناعة التعهيد”، موضحاً أن، الشركات العالمية لم تعُد تبحث فقط عن خفض التكاليف التشغيلية، بل أصبحت تسعى إلى الوصول للكفاءات البشرية والقدرات التكنولوجية التي تمكنها من تقديم خدمات عالية القيمة عبر الحدود. وأكد المركز، أن صناعة التعهيد تعتمد على إسناد بعض المهام أو الخدمات إلى جهات خارجية متخصصة تمتلك الخبرة والكفاءة اللازمة لتنفيذها. وتلجأ الشركات والمؤسسات إلى التعهيد بهدف خفض التكاليف التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، بما يتيح لها التركيز على أنشطتها الأساسية وتعزيز قدرتها التنافسية.

وشهدت صناعة التعهيد في مصر نموًّا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس تنامي مكانتها كأحد القطاعات الواعدة الداعمة للاقتصاد الرقمي؛ حيث توسَّعت القاعدة التشغيلية للقطاع لتضم أكثر من 240 شركة تمتلك نحو 270 مركزًا لتقديم خدمات التعهيد، وأسهمت في توفير نحو 181 ألف فرصة عمل، فضلًا عن توقيع مذكرات تفاهم مع 55 شركة عالمية ومحلية، الأمر الذي يعكس تزايد ثقة المستثمرين في السوق المصرية وقدرتها على تعزيز مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد.

وأوضح التحليل أن نتائج مصر في مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي تُظهر مستوى مرتفعًا من الثقة بلغ 80.9%؛ مما يعكس مكانتها المتنامية كوجهة جاذبة لخدمات التعهيد الخارجي وتجربة العملاء، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى توافر قوة عاملة شابة ومتعددة اللغات بتكلفة تنافسية، إلى جانب بنية تحتية جيدة، وسوق عقارية تجارية قوية، ومستويات مرتفعة من الأمن والاستقرار التشغيلي.

حققت مصر أعلى درجات الثقة في مجالي الأمن والسلامة بنسبة 90.2%، والبنية التحتية بنسبة 86.9%، كما سجلت نتائج مرتفعة في سوق العمل بنسبة 84.1%، والعقارات التجارية بنسبة 84.2%، وبيئة الصناعة بنسبة 81.5%.

وأشار المشاركون إلى أن قدرة مصر على تقديم خدمات بعدد كبير من اللغات، إضافةً إلى التقارب الثقافي مع الأسواق الأوروبية والأمريكية، تمنحها ميزة تنافسية مهمة مقارنةً بالعديد من وجهات التعهيد الأخرى. وبصفة عامة، تؤكد نتائج المؤشر أن مصر تمتلك مقومات قوية لتعزيز موقعها كمركز إقليمي ودولي لخدمات التعهيد.

وتُعَد الهند النموذج العالمي الأبرز في صناعة خدمات التعهيد وتجربة العملاء؛ حيث احتلت المركز الأول في مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي (Offshore CX Confidence Index 2025) بإجمالي 93.9%، مقارنةً بـ 80.9% لمصر التي جاءت في المركز السابع.

ويعكس هذا الفارق مجموعةً من المزايا التنافسية التي يمكن لمصر الاستفادة منها لتعزيز مكانتها الدولية في هذا القطاع؛ حيث استطاعت الهند ترسيخ سمعتها الدولية كمركز عالمي للتعهيد من خلال التكامل بين المهارات البشرية والتقنيات الحديثة، وخاصة الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وأكد التحليل أن نجاح مصر في جذب استثمارات التعهيد يرتكز على إطار مؤسسي متكامل تقوده وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتضطلع هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا) بدور محوري في تنفيذه من خلال الترويج لمصر كمقصد عالمي لخدمات التعهيد، وتقديم الحوافز للشركات، وتنمية الصادرات الرقمية، كما تُسهم جهات أخرى، من بينها هيئة الاستثمار والمناطق الحرة، والمعهد القومي للاتصالات، والجامعات المصرية، في دعم بيئة الأعمال وتوفير الكوادر البشرية المؤهلة، إلى جانب التوسع في المناطق التكنولوجية ومراكز الإبداع الرقمي، بما يعزز قدرة مصر على المنافسة في سوق خدمات التعهيد العالمية.

وفي هذا الإطار، تولي الحكومة المصرية اهتمامًا متزايدًا بقطاع التعهيد باعتباره أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي وزيادة الصادرات الرقمية. حيث تعمل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على تعزيز مكانة مصر كمركز عالمي لتصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات والتعهيد من خلال جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، والتوسع في الشراكات مع كبرى الشركات العالمية العاملة في هذا المجال. كما تركز الحكومة على تطوير المناطق التكنولوجية لاستيعاب المزيد من شركات التعهيد، وتوفير بيئة أعمال داعمة لنمو القطاع.

وتستهدف الدولة زيادة صادرات خدمات التعهيد من نحو 5.2 مليارات دولار إلى 6 مليارات دولار عام 2026، إلى جانب التوسع في الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل تصميم الإلكترونيات وأشباه الموصلات، من خلال دمجها ضمن برامج تنمية الصادرات.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version