يواجه الاقتصاد العراقي تحديات في إدارة السيولة النقدية مع استمرار حساسية الإيرادات العامة لتقلبات أسعار النفط واضطراب حركة الصادرات في وقت تكشف البيانات الرسمية عن اتساع حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي، ما يضع السلطات المالية والنقدية أمام تحدي مزدوج يتمثل في تأمين احتياجات الإنفاق من جهة وإعادة الأموال المكتنزة إلى الدورة الاقتصادية من جهة أخرى.
وتكتسب أزمة السيولة أهمية خاصة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي، إذ يمكن لأي اضطراب في تدفقات النفط أو التجارة الخارجية أن ينعكس سريعا على قدرة الخزينة على الوفاء بالتزاماتها وتمويل النفقات العامة، وفي المقابل، يطرح ارتفاع النقد الموجود خارج المصارف سؤالا أكثر عمقا حول كفاءة الدورة المالية، وهو: أين تتحرك السيولة وكم منها يتحول إلى إنتاج واستثمار، وكم يبقى بعيدا عن النظام المصرفي؟
وفي هذا الصدد، تقول سوزان عبدالله محمد مدير عام الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن إدارة السيولة تواجه ضغوطا متزايدة في ظل صعوبة الحصول المباشر على التدفقات المالية، مشيرة إلى أن طبيعة الاقتصاد العراقي المعتمد على الإيرادات النفطية تجعل إدارة السيولة والوفاء بالالتزامات المالية أكثر ارتباطا بانتظام تدفق الإيرادات إلى الخزينة.
وأضافت أن إجمالي النفقات العامة خلال الربع الأول من عام 2026 بلغ نحو 28 تريليون دينار توزعت بواقع 95 في المئة للنفقات الجارية ونحو 4 في المئة للنفقات الاستثمارية، فيما استحوذت تعويضات الموظفين على أكثر من 59 في المئة من الموازنة الجارية، بواقع نحو 15 تريليون دينار من أصل 26 تريليون دينار.
وأشارت إلى أن بيانات الهيئة تظهر استمرار هيمنة الإيرادات النفطية على المالية العامة، إذ بلغت 95 تريليون دينار عام 2021، وبلغت 154 تريليونا في 2022، و125 تريليونا في 2023، و128 تريليونا في 2024، و112 تريليون دينار في 2025، في المقابل، ظلت الإيرادات غير النفطية عند مستويات أقل بكثير، إذ بلغت 14 تريليون دينار في 2021، و8 تريليونات في 2022، و10 تريليونات في 2023، و13 تريليونا في 2024، قبل أن ترتفع إلى 17 تريليون دينار في 2025.
ورأت مدير عام الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية في العراق أن تعزيز الاستدامة المالية يتطلب تطوير أدوات تحليل الإيرادات النفطية وقياس مدى حساسية الموازنة لتقلبات أسعار النفط بما يسمح بالانتقال من مجرد رصد حجم الإيرادات إلى قياس قدرة المالية العامة على تحمل الصدمات الخارجية.
وفي هذا السياق، أشارت إلى تحسن الإيرادات الجمركية، التي ارتفعت من نحو تريليون دينار في 2023 إلى تريليوني دينار في 2024، ثم إلى 2.5 تريليون دينار في 2025، وبلغت المستوى ذاته حتى نهاية يونيو 2026. وعزت ذلك إلى تشديد الرقابة وتطبيق نظام “الأسيكودا” وتفعيل قانون التعرفة الجمركية رقم 22 لسنة 2010، إلى جانب تقليص الإعفاءات الجمركية وأتمتة الإجراءات، الأمر الذي أسهم في رفع كفاءة التحصيل والحد من التهريب والتلاعب.
من جانبه، رأى الدكتور مظهر محمد صالح المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي أن الأزمة كشفت الحاجة إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على السيولة النفطية إلى اقتصاد قادر على توليد السيولة من مصادر متنوعة.
وقال صالح، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية ، إن الاحتياطيات المالية قادرة على امتصاص الصدمات لفترة محدودة، لكن تنويع مصادر الدخل هو الوسيلة الأكثر استدامة لتقليل الاعتماد عليها، مشددا على أن النفط ينبغي ألا يقتصر دوره على تمويل الإنفاق الجاري بل أن يتحول إلى مصدر لتمويل التحول الاقتصادي.
وأضاف أن توجيه جزء أكبر من الإيرادات النفطية إلى البنية التحتية المنتجة والصناعة والزراعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا ورأس المال البشري إلى جانب دعم قطاع خاص قادر على الإنتاج والتصدير من شأنه أن يرفع قدرة الاقتصاد على توليد السيولة والعملات الأجنبية حتى في حال تعرض القطاع النفطي لصدمة.
واعتبر أن اضطرابات مضيق هرمز تمثل اختبارا لقدرة العراق على إدارة السيولة والاستقرار النقدي والمالي واستمرار التجارة والصادرات النفطية، لكنه رأى أن الاختبار الأكبر سيكون بعد انتهاء الأزمة ومدى قدرة البلاد على معالجة مواطن الضعف التي كشفتها.
وحذر المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي من أن عودة الاقتصاد إلى نمطه السابق بعد انتهاء الأزمة ستعيد إنتاج المشكلات نفسها عند وقوع أي صدمة جديدة، بينما يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء منظومة أكثر تنوعا في الإيرادات والإنتاج والتصدير.


