تشهد سوق العقارات الأميركية تطوراً غريباً من نوعه، وهو بيع بعض المنازل الجديدة بأسعار أقل من نظيرتها القائمة، فمتوسط سعر بيع المنزل القائم خلال يونيو، وصل إلى 441.5 ألف دولار، في حين وصل متوسط سعر بيع المنزل الجديد 401.8 ألف دولار. هذا الأمر لم يتكرر سوى 22 مرة فقط منذ عام 1968، أي خلال 690 شهراً، كما أنه لم يحدث خلال الفترة من يونيو 1982 إلى مايو 2024 سوى مرتين فقط، ولم تشهد التسعينيات أي انعكاس في الأسعار على الإطلاق.
ومع ذلك، منذ مايو 2024، تكرر هذا الانعكاس في السوق سبع مرات، وحدث بشكل شهري خلال الفترة من أبريل إلى يونيو من هذا العام، وفقاً لأحدث البيانات المتوفرة. لكن الفجوة الحادثة في يونيو حطمت الرقم القياسي، وذلك مع بيع المنازل الجديدة بأسعار أقل بنسبة 9% من المنازل القائمة، متجاوزة بذلك النسبة القياسية السابقة عند 3%.

وقال كبير الاقتصاديين في شركة فيروس لحلول العقارات، وهي شركة تُقدم تحليلات وتنبؤات لسوق الإسكان، إريك فوكس: “إذا لم يكن الرسم البياني منطقياً، فعادةً ما يكون هناك متغير خفي يُفسره”. أي أن الأرقام ليست غريبة كما تبدو بمجرد اكتشاف ما يجري تحت السطح، بحسب تقرير لشبكة فوربس.
أسعار المنازل
ما تفعله شركات البناء : تقول الرابطة الوطنية لبناة المنازل (NAHB) في الولايات المتحدة، إنه منذ يونيو 2024، كان 60% من شركات البناء تستخدم حوافز لبيع المنازل الجديدة، بينما خفّض 30% منهم أسعارهم. يمكن أن تعني الحوافز تخفيضات في معدلات الفائدة، أو المساعدة في تكاليف الإغلاق (مثل رسوم التسجيل أو الضرائب أو المحاماة أو التقييم)، أو تحسينات مجانية تُخفّض السعر الفعلي دون تغيير السعر الرسمي المعلن للمنزل.
ويُقدّم مالكو المنازل الحاليون تنازلات أيضاً، وإن كان ذلك بوتيرة أقل. وجدت شركة ريدفين، وهي شركة وساطة عقارية عبر الإنترنت، أن ما يقرب من 40% من مبيعات المنازل في الربع الأول من عام 2025 تضمنت قيام البائعين بتغطية تكاليف إصلاحات أو إغلاق الصفقة. عمليًا، يعني هذا أن متوسط سعر بيع المنازل الجديدة بشكل رسمي أقل من الخصم الفعلي، لأن العديد من التنازلات لا تظهر في البيانات.
ولا تزال شركات البناء الأميركية المدرجة في البورصة تحقق أرباحاً، حتى مع التنازلات، على الرغم من أن معظمها يشهد انكماشاً في هوامش الربح الإجمالية. انخفض هامش ربح شركة ميريتاج هومز من 29% في عام 2022 إلى 25% العام الماضي، بينما شهدت شركة إن في آر انخفاضاً بنسبة 2% في هامش ربحها الإجمالي منذ عام 2022. وشهدت شركة كي بي هوم انخفاضاً بنسبة 3%، وشركة لينار انخفاضاً بنسبة 5% خلال الفترة نفسها.
وتركز شركات البناء الأميركية على إنشاء المنازل الأصغر حجماً، مما يتيح بناء المزيد من الوحدات على أي قطعة أرض. وانكمش متوسط مساحة المنزل الجديد بنحو 400 قدم مربعة منذ أن بلغ ذروته عند 2736 قدماً مربعة في عام 2015. وعند حوالي 2300 قدم مربعة، عاد المتوسط اليوم إلى المستويات التي شوهدت آخر مرة في أعقاب الركود الكبير. وتستهدف شركات البناء القدرة على تحمل التكاليف، من خلال بناء منازل أصغر حجماً، ومنازل “تاون هاوس” (أي متلاصقة الأجناب)، وشقق سكنية. ويؤدي هذا إلى خفض متوسط سعر المبيعات حتى لو واصل سعر القدم المربعة الزيادة بشكل مطرد من حوالي 127 دولاراً في عام 2016 إلى 231 دولاراً في الوقت الحالي.
ويقول كبير الاقتصاديين في شركة ريدفين، داريل فيرويذر، : “أفرط البناؤون في البناء خلال الجائحة. لا تتمتع شركات التطوير العقاري في الوقت الحالي برفاهية توافر رهون عقارية بفائدة 4% للمشترين كما فعل من اشتروا منازل بين عامي 2011 و2022”.
ويضيف: “بما أن شركات البناء في بحاجة إلى التخلص من هذا المخزون، فإنها تخفض الأسعار وتقدم عروضاً مميزة لإخراج المنازل من دفاترها العقارية ووضعها في أيدي الراغبين في دفع معدلات الرهن العقاري الحالية التي تزيد عن 6%. هذا يجعل شركات البناء أكثر مرونة في تحديد الأسعار مني ومنك”.
من جانبه، قال كبير الاقتصاديين في الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين، لورانس يون، إن قيمة المنازل التي يملكها أصحاب العقارات الحاليون ارتفعت بنسبة 49% منذ ما قبل الجائحة، مشيراً إلى أنه مع ارتفاع تلك القيمة وتمسك أصحاب المنازل بمعدلات رهون عقارية أقل من الحالية يجعلهم مترددين في خفض الأسعار التي يطلبونها لبيع منازلهم. وبدلًا من ذلك يفضلون البقاء فيها، مما يحدّ من المعروض.
وأضاف يون أن مخزون المنازل القائمة يكفي لمبيعات حوالي أربعة أشهر، بينما كان مخزون المنازل الجديدة أكثر من ضعف ذلك في يونيو واضطرت شركات البناء، في مواجهة هذا الفائض في عرض المنازل الجديدة، إلى التكيف. والنتيجة هي المزيد من الحوافز والأسعار التنافسية.
قال إريك فوكس من شركة فيروس، لشبكة فوربس: “هناك أيضاً خلل ديموغرافي”. في عام 1981، كان متوسط عمر مشتري المنازل 31 عاماً، لكنه ارتفع في الوقت الحالي إلى 56 عاماً، وهذا التحول يُغير رغبات الناس. قد يكون المشترون في الخمسينيات والستينيات من العمر مستعدين لتقليص حجم مساكنهم، لكنهم لا يبحثون عن منازل تاون هاوس من ثلاثة طوابق محصورة على قطع أراضي صغيرة. ولأن قطع الأراضي أصغر، تقوم شركات البناء ببناء المزيد من الطوابق، مما يعني المزيد من السلالم. ويفضل العديد من المشترين الأكبر سناً منازل من طابق واحد في الأحياء الراسخة، مع مساحة خارجية أكبر وسلالم داخلية أقل. هذا يجعل المنازل القديمة أكثر جاذبية.
وهناك جانب آخر من تفسير انقلاب الأسعار يتعلق بمن يقوم بالبناء. تُشير كبيرة الاقتصاديين الباحثين في شركة فيروس للحلول العقارية، رينا أغراوال، إلى أن شركات البناء الوطنية الكبرى لديها مساحة أكبر لخفض الأسعار أو توفير حوافز مقارنةً بالشركات الأصغر، وهو ما جعل السوق تميل لصالحها.
وأفادت الرابطة الوطنية لبناة المنازل بأن أكبر عشر شركات بناء شكّلت نسبة قياسية بلغت 44.7% من جميع عمليات إغلاق بيع المنازل العائلية الجديدة في عام 2024، بزيادة عن 8.7% في عام 1989، و31.5% في عام 2018. ويعني هذا التركيز أن متوسط السعر يعكس في الوقت الحالي ما تفعله الشركات الكبيرة ذات الحجم الكبير، وليس الشركات المحلية الصغيرة، وأن هذه الشركات قادرة على تحسين الصفقات بطرق لا يمكن للآخرين فعلها.
هل يمكن أن يستمر هذا التباين في الأسعار؟ من المرجح استمرار ارتفاع أسعار المنازل القائمة عن الجديدة في الولايات المتحدة خلال الفترة الحالة في الوقت الحالي مع وجود مخزون لدى شركات البناء تحتاج إلى التخلص منه. ويبلغ مخزون المنازل الجديدة، المقاس من حيث أشهر العرض، 9.2 شهراً، أي أعلى بأكثر من ثلاثة أشهر من المتوسط الذي يعود إلى الفترة منذ عام 1963.
ومن المتوقع أن تستمر شركات البناء في تقديم الحوافز، وأن تظل المنازل الجديدة أصغر حجماً. يقول الاقتصاديون إن هذا قد يستمر في استمرار الانعكاس لمدة عام أو عامين آخرين. ولكن بمرور الوقت، تصبح المنازل الجديدة اليوم هي مخزون المنازل القائمة في المستقبل، فإذا لم تستمر أحجام المنازل في التقلص، يجب أن تتقارب مستويات الأسعار. ويقول إريك فوكس: “لدى شركات البناء حافز قوي للتكيف. فبمجرد تصفية المخزون، سيتمكنون من رفع الأسعار”.