في وقت تتسارع فيه تداعيات الأزمات الجيوسياسية على الاقتصادات العالمية، تجد المملكة المتحدة نفسها مجددا في مواجهة موجة جديدة من الضغوط المعيشية، هذه المرة بفعل الحرب الدائرة على إيران.
وبرغم البعد الجغرافي للصراع، إلا أن ترابط أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية جعل من تأثيراته واقعا يوميا يلامس حياة الأسر والشركات البريطانية. ومع تحذيرات رسمية أطلقتها راشيل ريفز وزيرة الخزانة البريطانية من أن هذه “ليست حربنا، لكنها تثقل كاهلنا اقتصاديا”، تتجه الأنظار إلى مرحلة قد تكون أكثر صعوبة، في ظل تصاعد أسعار الطاقة والسلع الأساسية، واستمرار حالة عدم اليقين التي تلقي بظلالها على مستقبل الاقتصاد البريطاني.
ومنذ اندلاع الحرب الإقليمية نهاية فبراير الماضي والمملكة المتحدة تعيش تحت وطأة ضغوط متزايدة على تكلفة المعيشة لم تبلغ ذروتها بعد. فالأسوأ، وفقا لمسؤولين ومحللين اقتصاديين، لم يأت بعد. حيث تنعكس تداعيات الحرب على إيران بشكل مباشر على أسعار الطاقة والغذاء والنقل في البلاد، ما يضع البريطانيين أمام تحديات اقتصادية جديدة ومعقدة، في وقت لم يتعاف فيه الاقتصاد بالكامل بعد أزمات سابقة مثل التضخم المرتفع منذ اندلاع حرب روسيا وأوكرانيا التي أصابت بريطانيا بصدمة طاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وفي قلب الأزمة الحالية تقف أسعار النفط والغاز، التي ارتفعت نتيجة اضطراب الإمدادات العالمية القادمة من الخليج العربي وتعطل طرق الشحن الحيوية، لاسيما في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية. ومع هذا الارتفاع، زادت فواتير الكهرباء والغاز بشكل واضح، كما ارتفعت أسعار الوقود في محطات البنزين، وهو ما انعكس بدوره على تكاليف النقل والإنتاج في مختلف القطاعات، من الصناعة إلى الخدمات.
وفي الحياة اليومية، تظهر تأثيرات الحرب بشكل واضح للبريطانيين، الذين يواجهون ارتفاعا متواصلا في فواتير الطاقة، وزيادة في أسعار السلع الأساسية، وتكاليف أعلى للنقل والسفر. كما بدأت بعض الأسر في تغيير أنماط استهلاكها، مثل تقليل استخدام الطاقة في المنازل أو البحث عن بدائل أرخص للمنتجات الغذائية.
ومع استمرار هذه الضغوط، تجد العديد من الأسر نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية بشكل جذري، وفي بعض الحالات اللجوء إلى المدخرات أو الاقتراض لتغطية النفقات الأساسية.
وفي هذا السياق، قال كريس دويل، الخبير في الشؤون الدولية ومدير مركز التفاهم العربي البريطاني، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/: “إغلاق مضيق هرمز جاء بتداعيات هائلة على الاقتصاد العالمي بشكل عام والبريطاني بشكل أكبر، ولا أعتقد أن صناع القرارات السياسية والاقتصادية باستطاعتهم حتى الآن تقدير حجم التأثير السلبي لهذه الحرب على اقتصادنا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز”.
وأضاف “إن الأمر لا يتعلق بالنفط والغاز فقط، ولكن بسلع أخرى مثل الهيليوم والأسمدة وارتفاع أسعار الغذاء، وهو ما سيلقي بظلاله على تكاليف المعيشة والأسعار”.
وأشار إلى أن الموازنة العامة للدولة ستدفع فاتورة عالية جراء زيادة الاقتراض الحكومي لتقديم حزم إنقاذ لشركات لمنع انهيارها بسبب زيادة التكاليف، ويأتي كل ذلك في وقت تعاني فيه الموازنة من عجز.
وأوضح أن الحكومات الأوروبية ومن بينها بريطانيا ستتكبد أموالا طائلة لدعم الوظائف والمواطنين مثلما كان الحال إبان جائحة كورونا، والدين القومي هو أصلا مرتفع للغاية، وليس من الواضح مدى قدرة الحكومة على التدخل لمساعدة الاقتصاد.
وعلى الرغم من الوعود التي قطعها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بأن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ارتفاع تكاليف المعيشة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن “ما نشهده هو تأثير مباشر لاضطرابات عالمية خارجة عن سيطرة أي حكومة”، ذلك أن ارتفاع أسعار الوقود يلقي بثقله على الأسر والشركات في وقت حساس للاقتصاد البريطاني، وأشار إلى أن حكومته تعمل على تخفيف الأثر قدر الإمكان، دون تعريض الاستقرار المالي لمخاطر إضافية.
وبات الاقتصاد البريطاني يعيش أوقاتا صعبة في السنوات الأخيرة مع تواتر الأزمات العالمية والتي لم تعد بعيدة عن المواطن البريطاني، بل أصبحت تترجم فورا إلى أسعار أعلى وضغوط يومية، مع سرعة انتقال تأثير الصدمات الدولية إلى الداخل. وتخشى الحكومة من أن الصدمة التي بدأ صداها يدوي في مناحي الاقتصاد نتيجة الحرب ستكون بمثابة “صدمة خارجية حقيقية ستشعر بها كل أسرة تقريبا، ولن يكون من السهل احتواؤها بسرعة”، مثلما وصفها دارين جونز، مستشار رئيس الوزراء. فقد حذر المسؤول الرفيع الذي يعمل ضمن فريق في الحكومة لتشكيل استراتيجية للتعامل مع أثر الحرب على الاقتصاد البريطاني، من أن “الضغوط قد تستمر حتى بعد انتهاء الصراع، ما يعكس قلقا رسميا من طول أمد الأزمة وتأثيرها العميق على الاقتصاد”، ولا يقتصر تأثير الحرب على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد بشكل واضح إلى أسعار المواد الغذائية، التي تشكل جزءا أساسيا من إنفاق الأسر.
فمع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، زادت كلفة نقل السلع وتخزينها، كما ارتفعت تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، بما في ذلك الأسمدة والتبريد والتصنيع. وتشير تقديرات السوق إلى أن هذه العوامل مجتمعة بدأت تدفع أسعار الغذاء إلى الأعلى بشكل تدريجي، وهو ما يشعر به المستهلكون يوميا في المتاجر.


