تتكشف في الولايات المتحدة مفارقة اقتصادية آخذة في الاتساع، تتمثل في أرقام كلية توحي بالمتانة، مقابل شعور فردي متزايد بالتشاؤم وانعدام الأمان المالي. رغم أن البيانات الرسمية تُظهر نمواً نسبياً وقدرة على الصمود، يعيش ملايين الأميركيين قلقًا يوميًا من صدمات قد تقلب حياتهم رأسًا على عقب.
“لقد وصلنا حرفيًا إلى نقطة لا نملك فيها تحمّل المرض، ولا تحمّل الصحة”، بهذه العبارة يُعبر ديفيد ديل، مستشار التسويق البالغ 62 عامًا والمقيم في ضواحي شيكاغو، عن مخاوفه المالية وعلى رأسها الرعاية الصحية.
ديل وزوجته يدفعان أقساط التأمين الصحي من جيوبهما، ويتوقعان قفزة تصل إلى 25% خلال العام الجاري. ويوضح ديل أن زيارة قصيرة لقسم الطوارئ استغرقت ساعتين كلّفت الأسرة آلاف الدولارات رغم وجود التأمين، ما جعل أي حادث بسيط “حتى الانزلاق على الجليد” يشكّل مخاطرة مالية حقيقية، قائلاً “نحن عالقون بين ارتفاع أقساط التأمين وارتفاع تكاليف العلاج”.
تشير التحليلات إلى أن حالة ديل لم تعد استثناءً، فكلمة “عدم اليقين” أصبحت الأكثر تداولًا في عالم الأعمال، مع تقلبات سياسية من البيت الأبيض، واضطرابات مرتبطة بالتعرفات الجمركية والهجرة، وتصريحات حادة تجاه الاحتياطي الفدرالي، إلى جانب مخاوف من فقاعة محتملة في سوق الذكاء الاصطناعي رغم الإنفاق السخي للشركات، ورغم بقاء سوق الأسهم قويًا نسبيًا، فإنه متقلب، والتضخم لا يزال تهديدًا قائمًا، وفق تقرير لـ “بيزنس إنسايدر”.
ويشير التقرير إلى أن التأثير الأعمق يقع على الأفراد، فملايين الأميركيين يستعدون لزيادات كبيرة في أقساط التأمين الصحي عام 2026، بينما واجه موظفو الحكومة الفدرالية أطول إغلاق حكومي مسجّل، متجاوزًا شهرًا دون رواتب، ومع ارتفاع تكاليف رعاية الأطفال والتعليم والسكن، وتزايد الرسوم الجمركية، وتباطؤ سوق العمل، يصبح “الاقتصاد غير ميسور التكلفة” عنواناً يومياً.
تصف خبيرة اقتصاديات العمل والمشاركة في تقديم بودكاست “الاقتصاد المتفائل”، كاثرين إدواردز، جوهر الأزمة قائلة: “تتعرض الأسر لمخاطر وصدمات أكثر بكثير من الشركات، فالمخاطر تتزايد، وتكلفتها ترتفع، وخدمات التأمين تتدهور”.
وتدعم المؤشرات هذا الشعور، فبحسب جامعة ميشيغان، اختتم الأميركيون عام 2025 بتشاؤم أكبر تجاه أوضاعهم المالية المستقبلية؛ إذ انخفضت توقعات التمويل الشخصي بنحو 12% مقارنة ببداية العام.
وأظهر استطلاع بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك خلال نوفمبر 2025، تصاعد التشاؤم بشأن الأوضاع الحالية والمستقبلية، مع بلوغ توقعات ارتفاع تكاليف الرعاية الطبية أعلى مستوياتها منذ يناير 2014، ورغم تراجع مؤشر عدم اليقين في السياسة الاقتصادية الأميركية عن ذروته في الربيع، فإنه لا يزال أعلى بكثير من متوسط السنوات الخمس الماضية.
ويؤكد التقرير أن الأزمة الاقتصادية “الخفيّة” في الولايات المتحدة ليست في العناوين الكبرى أو الجداول الكلية، بل في انعدام الأمن الشخصي فثمة شعور واسع بأن أي صدمة مثل تسريح من العمل، طلاق، أو حتى فاتورة بقالة؛ قد تكون كافية لزعزعة الاستقرار.


