تشهد أسواق الغاز الأوروبية ارتفاعا حادا في الأسعار، مع وصول التداول إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مستوياته السابقة، في تطور يعيد إلى الواجهة المخاوف بشأن أمن الإمدادات وكلفة الطاقة في القارة، ويأتي هذا الصعود وسط تداخل مجموعة من العوامل، من بينها تقلبات الطقس، ومستويات المخزونات، وحركة الطلب الصناعي، إلى جانب التطورات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات العالمية.
وتترقب أسواق الغاز الأوروبية استمرار حالة التقلب في الأسعار، في ظل حساسية السوق لتطورات الإمدادات والطلب والمخزونات والطقس، وسط تحذيرات من انعكاسات ارتفاع الأسعار على تكاليف الكهرباء والإنتاج والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

ورأى خبيران، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية  أن ارتفاع أسعار الغاز لا يرتبط بعامل واحد، بل يعكس درجة حساسية السوق الأوروبية لأي تغيير في حجم المعروض أو توقعات الطلب. وأوضحا أن محدودية البدائل الفورية للغاز، لا سيما خلال فترات ارتفاع الاستهلاك، قد تزيد سرعة تحرك الأسعار.
في المقابل، حذر المختصان من أن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قد يرفع تكاليف الكهرباء والإنتاج، ويضغط على الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، بينما قد تنتقل أجزاء من هذه الزيادة إلى المستهلكين.

وأكدا الخبيران أن اتجاهات الأسعار تبقى مرتبطة بتطورات الإمدادات والمخزونات والطقس خلال الفترة المقبلة، مما يجعل السوق الأوروبية شديدة التأثر بأي مستجدات مفاجئة.
وفي هذا السياق، قال المهندس ناصر جهام الكواري، خبير في النفط والغاز، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن سعر الغاز في أوروبا اقترب من ثلاثة أضعاف مستواه في بداية عام 2026، فقد صعد مؤشر الغاز الهولندي TTF، المعيار المرجعي للسوق الأوروبية، من نحو 26.5 يورو إلى أكثر من 79 يورو لكل ميغاواط/ساعة في أوائل سبتمبر. لكن الرقم وحده لا يشرح الأزمة، وما تدفعه أوروبا اليوم ليس ثمن الغاز المستهلك فحسب، بل ثمن تأمين إمدادات الشتاء في سوق عالمية فقدت جانبا كبيرا من مرونتها.
وذكر الخبير بالضغط الناتج عن اضطراب سوق الغاز الطبيعي المسال نتيجة تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز وتضرر بعض مرافق الإنتاج في المنطقة. وحتى الدول الأوروبية التي لا تعتمد مباشرة على الغاز الخليجي تتأثر بذلك؛ فالشحنة التي لا تصل إلى آسيا أو أوروبا يجب تعويضها من مصدر آخر، والمشترون يتنافسون على العدد نفسه من الشحنات البديلة. وهكذا تنتقل صدمة الإمدادات من مضيق بحري إلى سعر الغاز في أوروبا.
وأشار الكواري إلى ازدياد القلق لدى شرائح واسعة من الأوروبيين سواء الأفراد أو الشركات وغيرها؛ لأن أوروبا تقترب من موسم التدفئة بمخزون أقل من المستوى المريح، ووفق بيانات Gas Infrastructure Europe، حيث بلغت نسبة امتلاء مخازن الاتحاد الأوروبي نحو 68 بالمئة في منتصف سبتمبر. وهذا المخزون لا يمنع ارتفاع الأسعار دائما، لكنه يمنح السوق وقتا للتعامل مع موجة برد أو تعطل مفاجئ. وعندما يكون منخفضا، ينعكس أي تغير في الطقس أو وصول الشحنات سريعا على السعر.
وبين خبير النفط والغاز أن آثار هذا الارتفاع تتجاوز فاتورة التدفئة المنزلية، فالغاز يدخل في توليد الكهرباء وإنتاج الأسمدة والكيماويات وصناعات أخرى كثيفة الاستهلاك للطاقة، وإذا بقي سعره مرتفعا، ستواجه المصانع تكلفة إنتاج أعلى، بينما يصل الأثر إلى المستهلكين تدريجيا بحسب عقود التوريد وآليات التسعير في كل دولة، وقد يتحول ضغط الطاقة في النهاية إلى ضغط على التضخم والنمو والقدرة التنافسية للصناعة الأوروبية.
وفي توقعاته بالنسبة للفترة المقبلة، قال إن الإجابة في هذه الحالة تتعدد، فإذا عادت الشحنات المتعطلة، وتحسنت تعبئة المخازن، وجاء الشتاء معتدلا، فمن المرجح أن ينخفض مستوى المخاطر التي يحملها السعر الحالي. أما إذا كان تعافي الإمدادات بطيئا، فستبقى الأسعار مرتفعة ومتقلبة. والسيناريو الأصعب هو اجتماع اضطراب الإمدادات مع شتاء بارد، حين تضطر أوروبا إلى المنافسة بقوة أكبر على شحنات الغاز المسال.
وبالنسبة إلى قطر، أكد الخبير أن قيمة الغاز لا تقاس بحجم الاحتياطيات وحده، بل بالقدرة على إنتاجه وشحنه وتسليمه للعملاء في موعده، غير أن ارتفاع الأسعار الأوروبية لا يعني تلقائيا ارتفاع عائدات المصدرين بالنسبة نفسها؛ فالنتيجة تعتمد على حجم الشحنات المتاحة، وشروط العقود، وتكلفة الوفاء بالالتزامات عندما تضطرب سلاسل الإمداد.
ورأى المهندس ناصر جهام الكواري، في ختام تصريحاته لـ/قنا/، أن الدرس الأهم أن أمن الطاقة الأوروبي أصبح مرتبطا ارتباطا وثيقا بأمن الملاحة ومرونة سوق الغاز المسال العالمية؛ ولذلك لن يتحدد سعر الشتاء في محطات التخزين الأوروبية وحدها، بل أيضا عند مرافق الإنتاج وعلى طرق الشحن وفي قدرة المشترين والمنتجين على التعامل مع الصدمات المقبلة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version