أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء ، أن ممرات التنمية والمسارات اللوجستية أصبحت من أهم محددات قدرة الدول والمناطق على تحقيق النمو وتعزيز التنافسية، مشيراً إلى أن كفاءة منظومات النقل واللوجستيات لم تعد مجرد عنصر مساعد للنشاط الاقتصادي، وإنما أصبحت جزءاً أصيلاً من مفهوم الأمن الاقتصادي والقدرة على الصمود أمام الأزمات.
جاء ذلك خلال مشاركة رئيس مجلس الوزراء بمداخلة في جلسة حول “ممرات التنمية والمسارات اللوجستية”، ضمن فعاليات تستضيفها مصر بمدينة العلمين الجديدة خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر، وتشمل “منتدى العلمين – أفريقيا للأعمال”، وقمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية “النيباد”، والاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين وقيادات قطاع الأعمال والقطاع الخاص من مصر ودول أفريقيا.
وأوضح مدبولي أن أفريقيا تقف أمام فرصة لإعادة النظر في مفهوم ممرات التنمية، بحيث لا تقتصر على ربط نقطة بأخرى أو نقل السلع إلى الموانئ، وإنما تتحول إلى منظومة متكاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والأسواق، وتجمع بين النقل والطاقة والاتصالات والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والعمرانية.
وأشار إلى أن هذا المفهوم يتسق مع مستهدفات أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 وبرنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا “PIDA” ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، مؤكداً أن تحقيق كامل إمكانات التجارة القارية يتطلب خفض تكلفة التجارة، وتيسير حركة السلع والأشخاص، وتحسين الربط بين الاقتصادات الأفريقية.
وقال رئيس الوزراء إن التحدي لا يتمثل فقط في بناء الطرق والسكك الحديدية والموانئ، وإنما في ربط هذه الأصول ضمن منظومة واحدة قادرة على خلق قيمة اقتصادية على امتداد الممر، بحيث يرتبط القطاع الزراعي أو التعديني بالمراكز الصناعية والموانئ والأسواق، مع توفير الطاقة والخدمات اللوجستية والبنية الرقمية اللازمة لتتبع الشحنات وتبادل البيانات وتيسير الإجراءات عبر الحدود.
وأكد أهمية الانتقال من مفهوم “ممرات النقل” إلى “ممرات التنمية المتكاملة”، ومن الاستثمار في أصول منفردة إلى التخطيط المتزامن للنقل والطاقة والمناطق الصناعية واللوجستية والمجتمعات العمرانية، مع التخطيط الاستباقي للبنية الأساسية بما يواكب النمو الحضري والصناعي.
وفي هذا السياق، استعرض مدبولي تجربة مدينة العلمين الجديدة، باعتبارها مركزاً حضرياً متكاملاً يجمع الأنشطة الاقتصادية والخدمية والسياحية، مشيراً إلى أن التجربة المصرية تنظر إلى تطوير الممرات باعتباره جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تشكيل منظومة النقل والخدمات اللوجستية وربط مناطق الإنتاج بالأسواق.
وأوضح أن مصر عملت خلال السنوات الأخيرة على تطوير شبكة متكاملة تشمل الطرق والسكك الحديدية والموانئ البحرية والجافة والمناطق اللوجستية والنقل النهري، إلى جانب التوسع في وسائل النقل الأخضر والمستدام، لافتاً إلى العمل على إنشاء 7 ممرات لوجستية متكاملة لربط مناطق الإنتاج الصناعي والزراعي والتعديني بالموانئ البحرية، وكذلك الربط بين موانئ البحر الأحمر وموانئ البحر المتوسط مروراً بالموانئ الجافة والمناطق اللوجستية.
وأكد أن الموقع الجغرافي لمصر يتيح لها أن تكون نقطة اتصال بين أفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر والأسواق العالمية، بما يدعم توظيف الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية في تعزيز حركة التجارة من وإلى القارة.
وشدد رئيس الوزراء على أن أمن ممرات التنمية والمسارات اللوجستية لا يقل أهمية عن إنشائها وتطويرها، موضحاً أن استمرارية حركة الأشخاص والبضائع والطاقة والبيانات تتطلب بيئة آمنة ومستقرة، إلى جانب حماية الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمنشآت الحيوية ومواجهة الجريمة المنظمة والتهريب والإرهاب والقرصنة والتهديدات السيبرانية.
وأشار إلى أن قناة السويس تمثل مثالاً على الترابط بين أمن الممرات وتطويرها، باعتبارها شرياناً حيوياً للتجارة الدولية، موضحاً أن مصر تولي أهمية لأمن الملاحة واستمرارية الحركة بها بالتوازي مع تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.
كما أكد أهمية العمل القاري المشترك لضمان أمن الممرات الأفريقية، من خلال آليات للتنسيق وتبادل المعلومات وتعزيز القدرات والاستجابة السريعة للمخاطر، بما يحول دون امتداد أي أزمة محلية أو تهديد عابر للحدود إلى تعطيل حركة التجارة والتنمية على امتداد الممر.
وتطرق مدبولي إلى مشروع VICMED لإنشاء خط ملاحي يربط بحيرة فيكتوريا بالبحر المتوسط، باعتباره أحد المشروعات ذات البعد القاري التي تتبناها مصر، موضحاً أنه يستهدف إنشاء منظومة نقل متعددة الوسائط تربط دول حوض النيل وتعزز التجارة والسياحة بينها، وتوفر مساراً للنقل النهري يتسم بالكفاءة والاستدامة، مشيراً إلى إدراجه ضمن مبادرات البنية التحتية المدعومة من مؤسسات قارية والعمل حالياً على مرحلته الثانية.
وأضاف أن مصر أسهمت على المستوى القاري في تطوير مفهوم الممر المتكامل ضمن منظومة “PIDA”، مشيراً إلى استضافة القاهرة عام 2019 اجتماعات اللجنة الفنية المتخصصة للاتحاد الأفريقي المعنية بالنقل والبنية التحتية والطاقة والسياحة، والتي شهدت اعتماد نهج الممرات المتكاملة ومعايير اختيار المشروعات للمرحلة الثانية من برنامج “PIDA”.
وأكد رئيس الوزراء أن تطوير البنية الأساسية الأفريقية يجب أن يقوم على الربط بين القطاعات والدول والمناطق الاقتصادية، وليس على مشروعات منفصلة، مشيراً إلى أن نجاح الممرات العابرة للحدود يتطلب أطرًا مؤسسية مشتركة، وتنسيقاً بين الدول، ومواءمة التشريعات والإجراءات، وتيسيراً جمركياً ورقمياً.
ولفت إلى أهمية التحول إلى “الممرات الذكية” التي تستفيد من الرقمنة وتبادل البيانات والنوافذ الواحدة والتتبع الإلكتروني والتنسيق بين سلطات الجمارك والموانئ والنقل، بما يسهم في خفض تكلفة ووقت التجارة عبر الحدود.
كما شدد على ضرورة ربط النقل بالطاقة والاستدامة منذ بداية التخطيط، بما يضمن إمدادات مستقرة وتنافسية من الطاقة للمناطق الصناعية والممرات اللوجستية، إلى جانب وضع المرونة المناخية والاستدامة في تصميم الممرات الجديدة.
وفيما يتعلق بالتمويل، أوضح مدبولي أن أحد أهم التحديات يتمثل في الانتقال من تمويل المشروعات بصورة منفردة إلى تمويل الممر باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة، بما يسمح بجذب القطاع الخاص ومؤسسات التمويل التنموي والاستثمارات طويلة الأجل، مع ربط الممرات بالطلب الحقيقي في المناطق الصناعية والزراعية والتعدينية والمراكز الحضرية والأسواق.
وأكد أن التعاون بين الدول الأفريقية، سواء على المستوى الثنائي أو من خلال الاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، يمثل شرطاً أساسياً لنجاح هذه الرؤية، باعتبار أن الممرات لا تتوقف عند الحدود السياسية، ومن ثم يجب أن يتجاوز تخطيطها وتمويلها وتشغيلها الحدود الوطنية.
واختتم رئيس مجلس الوزراء بالتأكيد على أن رؤية مصر تقوم على أن تكون الممرات “ممرات للتنمية قبل أن تكون ممرات للنقل”، تربط المزارع بالمصنع والمصنع بالميناء والميناء بالأسواق، وتربط المدن بالطاقة والإنتاج بالتمويل والأسواق بالمنتجين.
وأكد استعداد مصر للعمل مع الدول الأفريقية والشركاء الدوليين لتحويل هذه الرؤية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ وشراكات قابلة للتمويل ونتائج ملموسة، بما يجعل ممرات التنمية جسوراً للتكامل واللوجستيات محركاً للتصنيع والتجارة والبنية الأساسية أساساً لقارة أفريقية أكثر ترابطاً وقدرة على المنافسة.


