في سباق التحول الرقمي الذي يشهده العالم، تسعى الدول إلى توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين جودة الخدمات العامة. وفي هذا السياق، تبرز تونس كنموذج عربي وإفريقي يسعى إلى ترسيخ مكانته في هذا المجال عبر تبني رؤية وطنية واضحة تجعل من الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية المستدامة ومحركا لتحديث مؤسسات الدولة والاقتصاد.
وفي هذا السياق، كشف التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر عن صندوق النقد العربي خلال هذا الشهر، أن تونس تعد من أوائل الدول العربية التي أدركت أهمية الذكاء الاصطناعي كركيزة أساسية للتحول الرقمي والتنمية الاقتصادية.. مشيرا إلى أن تونس تحتل مرتبة متقدمة نسبيا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس التقدم المحرز رغم التحديات المرتبطة بتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع وتطوير البنية التحتية الرقمية.

وأضاف التقرير أن تونس أطلقت منذ سنة 2018، استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، قامت على دعم الابتكار والبحث العلمي وبناء مجتمع معرفي متكامل. وركزت هذه الاستراتيجية على تطوير منظومة البيانات المفتوحة باعتبارها عنصرا أساسيا لتغذية تطبيقات الذكاء الاصطناعي ودعم الشفافية وتحفيز الابتكار. إلى جانب تشجيع توظيف هذه التكنولوجيا في قطاعات حيوية مثل الصحة، من خلال تطوير حلول ذكية للرعاية الصحية والتشخيص وقطاع النقل لتحسين إدارة حركة المرور وأنظمة النقل العمومي، فضلا عن إدماج الذكاء الاصطناعي في القطاع العام بهدف تحسين جودة الخدمات الحكومية وتبسيط الإجراءات الإدارية.

وفي هذا الإطار، عملت تونس على إرساء منظومة داعمة للبحث والابتكار عبر إحداث عدد من مراكز التميز، من بينها مدينة نوفاسيون والقطب التكنولوجي بالعاصمة، الذي وفر فضاءات حاضنة تجمع بين الجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة، بما ساهم في تطوير مشاريع مبتكرة في مجال الذكاء الاصطناعي. كما عزز صدور قانون الشركات الناشئة سنة 2018، وهو الأول من نوعه في أفريقيا، مناخ الاستثمار وريادة الأعمال في المجالات الرقمية، وخاصة الذكاء الاصطناعي.

كما تنظم تونس أكبر مسابقات تطوير الحلول البرمجية الخاصة بالذكاء الاصطناعي في المنطقة، ما ساهم في تنشيط منظومة الابتكار واستقطاب الكفاءات والاستثمارات. كما تعمل الدولة على إعداد مدونة استخدامات رقمية وميثاق أخلاقي للذكاء الاصطناعي، إلى جانب إحداث المرصد الرقمي التونسي، بهدف تعزيز الحوكمة الرشيدة ودعم صانعي القرار في القطاع الرقمي.
وقد شهدت سنة 2025 مواصلة تنفيذ المخطط الوطني الاستراتيجي “تونس 2025” للنهوض بقطاع تكنولوجيات الاتصال، من خلال تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية وتعزيز البنية التحتية الاتصالية ودعم الاقتصاد الرقمي والتحول الرقمي للإدارة إلى جانب تطوير مجالات السلامة السيبرانية وبناء القدرات ونشر الثقافة الرقمية.

وتتضمن برامج الحكومة، وفق الميزان الاقتصادي 2026، تسريع الرقمنة الشاملة لمؤسسات الدولة مركزيا وجهويا، واستكمال إعداد المخطط التنفيذي للاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي والانطلاق في تنفيذها، إلى جانب دعم الابتكار وريادة الأعمال وتكوين الكفاءات في المجالات الرقمية. كما تولي الدولة أهمية خاصة لتعزيز الثقة الرقمية والأمن السيبراني، عبر استكمال النصوص التطبيقية للمرسوم المتعلق بالسلامة السيبرانية، وإعداد وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني للفترة 2026-2030، والانطلاق في تنفيذها. إضافة إلى مواصلة تنفيذ البرنامج الوطني للتدقيق في السلامة السيبرانية لفائدة الهياكل العمومية، بما يعزز صلابة المنظومة الرقمية الوطنية ويدعم مسار التنمية المستدامة.

وتعمل تونس أيضا على وضع برامج تكوين واختصاصات علمية في مجال الأمن السيبراني ودعم نشاط مزودي خدمات المصادقة الإلكترونية بهدف إحداث محيط تنافسي لأنشطة تسويق حلول المصادقة الإلكترونية والخدمات المتصلة بها. إضافة الى إدراج الهوية الرقمية ضمن باقة الخدمات التي توفرها الوكالة الوطنية للمصادقة الإلكترونية. ودعم نسق تنفيذ المشاريع ذات العلاقة بضمان مطابقة منتجات الوكالة الوطنية للمصادقة الإلكترونية للمواصفات العالمية ذات الصلة بالمصادقة الإلكترونية مع توفير عروض تفاضلية لفائدة الوزارات والهياكل العمومية التي توفر خدمات رقمية على الخط.

وفي هذا الإطار، أشارت دراسة أعدها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (مركز حكومي) حول “الذكاء الاصطناعي، رافعة للدور الاجتماعي للدولة” إلى أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصا حقيقة لتحسين نجاعة الخدمات العامة في قطاع التعليم وتقليص الفوارق. مؤكدة أن اعتمادا مدروسا له من شأنه أن يعزز الابتكار ويسهم في خلق مواطن شغل جديدة. ودعا المعهد إلى ضرورة تفعيل المجلس الأعلى للتربية من أجل وضع رؤية استراتيجية شاملة تدمج الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيات التعلم في المنظومة التربوية في تونس.
كما أكدت الدراسة وجود منظومة ديناميكية من الشركات الناشئة الناشطة في مجال تكنولوجيا التعلم وهي شركات تعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين الدعم المدرسي والتكوين المهني، لكنها تواجه صعوبات في النفاذ إلى البيانات وفي الحصول على مصادقة الوزارات على الحلول التي تطورها.

واعتبرت أنه من الضروري، في المرحلة الراهنة، وضع استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي وتكنولوجيات التعلم تشارك في صياغتها مختلف الوزارات والفاعلين المعنيين، ولاسيما الشركاء الخواص في القطاع التربوي، مع تحديد خطط عمل واضحة وآليات تمويل مناسبة.

كما أوصت بضرورة تعزيز تكوين المدرسين والإداريين في مجال الذكاء الاصطناعي وضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى الأدوات الرقمية، مبرزة أهمية إعداد دليل للممارسات الجيدة للذكاء الاصطناعي التوليدي وأخلاقياته لفائدة جميع المتدخلين في المنظومة التربوية، إلى جانب إمكانية تنظيم حملات توعوية.

ومن بين التوصيات التي تضمنتها الدراسة، ضرورة إرساء آلية ملائمة للشراء العمومي تمكن المؤسسات التربوية العمومية من اعتماد مقاربات تعليمية مبتكرة عبر الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيات التعلم، وذلك من خلال تنفيذ اختبارات إثبات المفهوم، وهي تجارب أولية صغيرة الحجم تهدف إلى التحقق من جدوى الحلول التكنولوجية قبل تعميمها، وفتحها أمام الشركات الناشئة.
كما دعت الدراسة إلى إنجاز بحث وطني حول تأثير الذكاء الاصطناعي على المهن وسوق العمل في تونس بهدف توجيه الإصلاحات المتعلقة بالمحتويات والطرق البيداغوجية بما يتلاءم مع التحولات المستقبلية.

ولفهم الاستراتيجية الوطنية في تونس ولمواكبة التطورات التكنولوجية العالمية وتلبية متطلبات السوق المحلية، أشار خالد غديرة رئيس جمعية الذكاء الاصطناعي لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ إلى أن تونس اهتمت بمجال الذكاء الاصطناعي منذ سنوات. فقد احتضنت كلية العلوم منذ سنة 1986 مؤتمرا حول الذكاء الاصطناعي. مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي بات عنصرا لا غنى عنه في الحياة اليومية وفي مختلف القطاعات والمجالات وجميع المهن.

كما أشار الى نشر ما يقارب 2000 بحث على المستويين الوطني والعالمي حول الذكاء الاصطناعي. مشددا على ضرورة إدراج مادة الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج التعليمية منذ المرحلة الابتدائية. مؤكدا أنها ضرورة استراتيجية لمستقبل تونس، وأن المناهج الكلاسيكية لم تعد كافية، وعلى الجامعات التونسية التحول نحو “الذكاء الاصطناعي التطبيقي” لربط البحث العلمي بسوق العمل.

ومن جهته أشار زبير الجلاصي المختص في الذكاء الاصطناعي لوكالة الأنباء القطرية إلى أن الذكاء الاصطناعي اليوم يجب أن يوظف في أي مجال وقطاع سواء التعليم أو الصحة والاقتصاد. ويمكن أن يطور العمل إذ لم يعد مجرد أداة تكميلية بل شريكا استراتيجيا يعيد صياغة الكفاءة الإنتاجية. مؤكدا ضرورة إدراجه ضمن مناهج التعليم الابتدائي لتكوين جيل قادر على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في البحث والدراسة ثم في سوق العمل.

وأضاف زبير الجلاصي الذي فاز بجائزة أفضل فيلم مولد بالذكاء الاصطناعي منذ أشهر، إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يعوض الكفاءات البشرية بل سيكون مكملا لها في كل المجالات. فقط لا بد من تكثيف الدورات التدريبية حول استخدامات الذكاء الاصطناعي وتوظيفه لتطوير العمل.
يذكر أنه عقدت في يناير الماضي النسخة الثانية من منتدى البحر الأبيض المتوسط للذكاء الاصطناعي. وذلك لتعزيز التعاون بين دول المتوسط واستكشاف سبل توظيف الذكاء الاصطناعي لمواجهة التحديات المشتركة في المنطقة.

وقد شدد سفيان الهميسي وزير تكنولوجيات الاتصال التونسي خلال اللقاء على أن استضافة المنتدى تؤكد التزام تونس بهذا “القطاع الاستراتيجي والواعد”، وتعزز التعاون الإقليمي في وقت أصبحت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية لاقتصادات المستقبل ومحركا للإنتاجية وتحسين جودة الحياة.
وأشار إلى أن تونس، بما تمتلكه من رأس مال بشري قوي، ومنظومة جامعية متينة، وقدرات تقنية متنامية، في موقع يؤهلها للاضطلاع بدور ريادي على مستوى حوض المتوسط والمنطقة العربية والأفريقية. مضيفا أن لدى تونس الإمكانات لتصبح مركزا إقليميا للبحث والابتكار والشراكات الاستراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version
hacklink satın al Hacklink Panel Hacklink Satışı 2026 hacklink panel hacklink satın al hacklink al hacklink
evden eve nakliyat istanbul evden eve nakliyat Ceza Avukatı İcra Avukatı Şirket Avukatı